سيف الدين الآمدي
131
أبكار الأفكار في أصول الدين
لا جائز أن يكون قديما : إذ لا قديم غير الله - تعالى - وصفاته ، كما هو معلوم في مسألة حدوث العالم « 1 » . ولا وجود للإله ولا لشيء من صفاته في شيء من المحدثات ؛ فلا يوجب كون شيء منها عاقلا ؛ فإن حكم الذات لا يكون ثابتا للذات من غير ما قام بها ، كما يأتي أيضا . وعلى هذا فقد بطل قول الحشوية « 2 » بكون العقل قديما . وإن كان حادثا : فهو إما جوهر ، وإما عرض . لا جائز أن يكون جوهرا : إذ الجواهر متجانسة كما يأتي أيضا « 3 » . فلو كان بعض الجواهر عقلا ؛ لكان كل جوهر عقلا ؛ لأن ما ثبت لأحد المثلين يكون ثابتا للآخر . وأيضا : فإنه لو كان العقل جوهرا ؛ لما عاد بسببه إلى العاقل به حكم ؛ وهو كونه عاقلا ؛ إذ الأحكام إنما تثبت للجواهر / لا بها . وإن كان عرضا : فلا يمكن أن يكون عبارة عن مجموع الأعراض ؛ فإنه قد يتصف بالعقل من لم يكن متصفا بجميع الأعراض . فإذا كان هو بعض الأعراض : فإما أن يكون من العلوم ، أو من غيرها . لا جائز أن يكون من غير العلوم : وإلا لصح أن يتصف بالعقل من لم يعلم شيئا . كيف وأنه ما من شيء من أجناس الأعراض إلا ويمكن تقدير وجود العقل مع عدمه ما عدا العلوم وما يصححها . وإذا كان من العلوم : فلا جائز أن يكون عبارة عن كل العلوم ؛ لاتصاف الإنسان بالعقل مع تعريه عن معظمها . وإذا كان بعض العلوم : فإما أن يكون ضروريا . أو نظريا . لا جائز أن يكون نظريا : إذ العقل شرط في العلم النّظرى ، فلو كان العقل نظريا ؛ لكان دورا . وأيضا : فإنه قد يتّصف بالعقل من لم ينظر ، ولم يستدل أصلا .
--> ( 1 ) انظر ل 82 / ب وما بعدها من الجزء الثاني . ( 2 ) الحشوية : هم طائفة من المحدثين بالغوا في إجراء الآيات والأحاديث التي يفهم منها التشبيه على ظاهرها ، فوقعوا في التجسيم حتى أثبتوا لله - تعالى - جسما ، وأبعاضا . وقالوا إن طريق معرفة الله - تعالى - هو السمع لا العقل . ( مناهج الأدلة ص 31 ، 32 الملل والنحل 1 / 103 - 113 ) . ( 3 ) انظر ل 5 / ب من الجزء الثاني .